في الدرس السابق ذهبنا بالمتحوّل بعيداً بلا حدّ. هنا نفعل العكس تماماً: نثبّت عدداً حقيقياً ونقترب منه. السؤال يبدو أسهل، وهو في الحقيقة أدقّ، لأنّ الاقتراب من عدد ممكن من جهتين، من اليمين ومن اليسار، وقد تختلف الجهتان. ثلاث حالات تنتظرنا: أن تكبر القيم بلا حدّ فيظهر مقارب شاقولي، أو أن تتجمّع حول عدد فتكون النهاية منتهية، أو أن تختلف الجهتان فلا تكون للتابع نهاية عند تلك النقطة أصلاً. وهذا الدرس هو الذي يفصل، للمرّة الأولى، بين قيمة التابع عند نقطة ونهايته عندها.
عند نقطة، لا عند اللّانهاية
في الدرس الأوّل كان السؤال: إلى أين تتّجه قيم حين نمضي بـ بعيداً بلا حدّ. الآن نثبّت عدداً حقيقياً ونسأل سؤالاً موضعياً: إلى أين تتّجه قيم حين تقترب من .
والكتاب يبدأ بملاحظة عن مجموعة التعريف. مجموعة تعريف أيّ تابع ندرسه هي مجال أو اجتماع عدّة مجالات، ونرمز إليها بـ . وعند دراسة النهاية عند نقطة ، فإمّا أن تنتمي إلى ، وإمّا أن تكون طرفاً لأحد مجالات . لا حالة ثالثة، وخارج هاتين الحالتين لا معنى للسؤال.
الحالة الثانية هي التي تُنسى دائماً. خذ التابع ، ومجموعة تعريفه . العدد لا ينتمي إليها، ومع ذلك السؤال عن النهاية عنده مشروع تماماً، لأنّه طرف للمجال. نحن لا نسأل عن قيمة التابع في ، بل عن قيمه قربه.
النهاية عند لا تسأل عن . قد تكون غير موجودة أصلاً، وقد تكون موجودة وتخالف النهاية. المطلوب دائماً سلوك القيم قرب ، لا القيمة عنده.
جرّب بنفسك
التابع معرّف على المجال وحده. هل للسؤال عن نهايته عند معنى؟
حين تكبر القيم بلا حدّ
لنتابع مع . كلّما اقتربت من صغر ، ومقلوب عدد موجب صغير عددٌ كبير. جرّب بنفسك: عند يكون ، وعند يكون ، ولا شيء يوقف هذا الصعود.
والكتاب يقول ذلك بدقّة بدل أن يكتفي بالوصف: مهما كان عدداً حقيقياً موجباً، تتجاوز قيم التابع العدد عندما تصغر بما يكفي. والحدّ صريح ويُحسب هنا بلا عناء.
هذا هو المعنى الدقيق لقولنا إنّ نهاية التابع عند هي . ولا يعني ذلك أنّ التابع يبلغ ، فـ ليس عدداً ولا قيمة. يعني أنّ القيم تتجاوز كلّ حاجز نضعه، مهما رفعناه.
وللكلام ترجمة هندسيّة مباشرة. كلّما اقتربنا من ارتفع الخطّ البياني وصار أشدّ انتصاباً، فيلاحق المستقيم الشاقولي الذي معادلته من دون أن يبلغه أبداً. هذا المستقيم اسمه المقارب الشاقولي، وهو نظير المقارب الأفقي في الدرس السابق، بتبديل دور المحورين.
تعريف 3
- قيم تتجاوز أيّ عدد حقيقي حين تقترب بما يكفي من .
- بالمماثلة: قيم تصير سالبة وأصغر من أيّ عدد حقيقي معطى حين تقترب بما يكفي من .
- في الحالتين معاً يكون هذا المستقيم مقارباً شاقولياً للخطّ البياني للتابع.
الكتاب المدرسي، صفحة 25
معادلة المقارب الشاقولي هي ، لا . المقارب الشاقولي مستقيم موازٍ لمحور التراتيب، فالثابت فيه هو ، والمقارب الأفقي وحده يُكتب . والخلط بين الصيغتين يُفقدك سطر المقارب كاملاً، وهو سطر يتكرّر في كلّ مسألة تحليل.
حين تتجمّع القيم حول عدد
ليس كلّ سلوك قرب انفجاراً. في أكثر الحالات تتجمّع قيم حول عدد حقيقي ، ونكتب . الصيغة هي صيغة الدرس الأوّل نفسها، وقد تغيّر فيها شيء واحد: لم تعد تذهب بعيداً، بل تقترب من .
ومثال الكتاب يجعل ذلك ملموساً. نعلم أنّ ، ونريد اختبار هذا الادّعاء: ما هو المجال الذي مركزه وتقع صور عناصره كلّها داخل ؟ الحساب مباشر، نربّع الحصر ثمّ نحلّه في .
وهذا الحصر يحوي المجال ، وهو مجال مركزه فعلاً. فكلّما كانت من وقعت في . ولو طلبنا دقّة أعلى لضاق وحسب، ولما اختفى. هذا بالضبط ما تعنيه عبارة تتجمّع القيم حول .
تعريف 4
- قيم تتجمّع قرب العدد حين تصير قريبة بما يكفي من .
- ممكنٌ تماماً، ولا تناقض فيه. تساوي الطرفين حالة خاصّة لها اسم هو الاستمرار، وهي موضوع درس لاحق في هذه الوحدة.
الكتاب المدرسي، صفحة 26
جرّب بنفسك
قيل لك إنّ . ماذا يعني ذلك بالضبط؟
القيمة عند النقطة ليست النهاية
هنا مفصل الوحدة كلّها، والكتاب يقف عنده وقفة خاصّة بسؤال صريح: لماذا لا يكون لتابعٍ، بالضرورة، نهاية عند كلّ نقطة من ؟
المثال المضادّ بسيط ولا يُنسى. التابع معرّف على المجال بقيمتين ثابتتين، واحدة قبل وأخرى من فصاعداً.
قيمة التابع عند موجودة وتساوي ، ومع ذلك ليس نهاية للتابع عند . وبرهان الكتاب على ذلك في سطرين: خذ المجال المفتوح الذي مركزه ونصف قطره . أيّ مجال مفتوح مركزه يحوي بالضرورة قيماً أصغر من ، وعندها ، والعدد ليس في . فالقيم لا تتجمّع حول ، ولا نهاية للتابع عند .
من كتب بلا فحص فقد افترض ما كان عليه أن يبرهنه. و عددان مختلفان في العموم: قد يوجد أحدهما دون الآخر، وقد يوجدان معاً ويختلفان. تساويهما ليس قاعدة، بل حالة خاصّة لها اسمها ودرسها.
ثلاثة أسئلة منفصلة عند النقطة : هل موجود؟ هل النهاية موجودة؟ هل هما متساويان؟ الجواب عن أحدها لا يُغني عن الآخرين، والامتحان يسأل عن الثلاثة أحياناً في سطر واحد.
من اليمين ومن اليسار
المثال السابق يكشف السبب: التابع يفعل شيئاً على يسار وشيئاً آخر على يمينها. وبدل أن نتوقّف عند قولنا إنّه لا نهاية له، نفصل الجهتين وندرس كلّاً منهما وحدها. فنكسب وصفاً دقيقاً حيث كان لدينا لا شيء.
ونصوغ ذلك بحصر مجموعة التعريف. إذا كان التابع معرّفاً على يمين ، أي إذا احتوت قيماً أكبر من ، قصرنا التابع على هذه القيم وحدها. والتابع الجديد لا يختلف عن السابق إلّا في مجموعة تعريفه. فإن كانت له نهاية ، حقيقيّة كانت أو لانهائيّة، قلنا إنّ يقبل نهاية من اليمين عند . ومثل ذلك تماماً من اليسار.
النهايتان الجانبيّتان
- النهاية من اليمين. نكتبها بالدليل، وهي صيغة الكتاب في الصفحة .
- النهاية من اليسار، بالكتابتين ذاتهما.
- مثال الكتاب الأوّل: نهايتان منتهيتان ومختلفتان، فلا نهاية للتابع عند .
- مثال الكتاب الثاني: نهايتان لانهائيّتان مختلفتا الإشارة، والمستقيم مقارب شاقولي رغم ذلك.
الكتاب المدرسي، صفحة 28
النهاية عند موجودة إذا وُجدت النهايتان الجانبيّتان وتساوتا. فإن اختلفتا فلا نهاية للتابع عند ، ويبقى وصف كلّ جهة على حدة صحيحاً ومطلوباً في ورقة الحلّ.
عند جذر المقام، وعند النقطة التي تنعدم عندها العبارة داخل القيمة المطلقة، لا تكتب نهاية واحدة قبل أن تفحص الجهتين. الجواب وحده، أو وحده، هو نصف الحلّ.
وانتبه إلى مثال : مجموعة تعريفه ، فلا جهة يسرى له أصلاً، والكتاب يكتب النهاية هناك بلا دليل جهة، مع أنّ مجموعة التعريف لا تسمح إلّا باليمين. نحن نكتب الدليل دائماً حين تكون جهة واحدة وحدها ممكنة، لأنّه ليس زينة: هو الذي يقول للقارئ إنّ الجهة الأخرى غير معرّفة أصلاً.
جرّب بنفسك
ما نهاية هذا التابع عند ؟
مثال الكتاب كاملاً
نجمع الآن كلّ ما سبق في مثال واحد، وهو أوّل تمارين الكتاب في هذا الدرس. اقرأ الخطوة، احسبها على ورقتك، ثمّ اكشف الجواب.
الحلّ خطوة بخطوة
1 من 7المطلوب بالترتيب: مجموعة التعريف، ثمّ النهاية عند جانبيّةً عند الاقتضاء ومعادلة المقارب الشاقولي، ثمّ النهايتان عند و ومعادلة المقارب الأفقي.
المطلوب
نكتب مجموعة التعريف
الكسر معرّف إلّا حيث ينعدم المقام، والمقام ينعدم عند وحدها. فالعدد ليس من ، لكنّه طرف لكلا مجاليها، والسؤال عن النهاية عنده مشروع.
أوّل ما يُطلب في مسألة التحليل في البكالوريا هو نهايات التابع عند طرفي مجموعة التعريف، وفيها الطرف الذي ينعدم عنده المقام. وفصل الجهتين هو ما يجعل الجواب كاملاً.